الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

267

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

يعتبر كل واحد منهم نموذجا لإحدى المجموعتين ، ويوضحان طريقة تفكير وقول وعمل هاتين المجموعتين . في البداية تخاطب الآيات الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فتقول : واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب وحففناهما بنخل وجعلنا بينهما زرعا . البستان والمزرعة كان فيهما كل شئ : العنب والتمر والحنطة وباقي الحبوب ، لقد كانت مزرعة كاملة ومكفية من كل شئ : كلتا الجنتين أتت أكلها ولم تظلم منه شيئا . والأهم من ذلك هو توفر الماء الذي يعتبر سر الحياة ، وأمرا مهما لا غنى للبستان والمزرعة عنه ، وقد كان الماء بقدر كاف : وفجرنا خلالهما نهرا . على هذا الأساس كانت لصاحب البستان كل أنواع الثمار : وكان له ثمر . ولأن الدنيا قد استهوته فقد أصيب بالغرور لضعف شخصيته ورأي أن الإحساس العميق بالأفضلية والتعالي على الآخرين ، حيث التفت وهو بهذه الحالة إلى صاحبه : فقال لصاحبه وهو يحاوره أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا . بناءا على هذا فأنا أملك قوة إنسانية كبيرة وعندي مال وثروة ، وأنا أملك - أيضا - نفوذا وموقعا اجتماعيا ، أما أنت ( والخطاب لصاحبه ) فماذا تستطيع أن تقول ، وهل لديك ما تتكلم عنه ؟ ! لقد تضخم هذا الإحساس ونما تدريجيا - كما هو حاله - ووصل صاحب البستان إلى حالة بدأ يظن معها أن هذه الثروة والمال والجاه والنفوذ إنما هي أمور أبدية ، فدخل بغرور إلى بستانه ( في حين أنه لا يعلم بأنه يظلم نفسه ) ونظر إلى أشجاره الخضراء التي كادت أغصانها أن تنحني من شدة ثقل الثمر ، وسمع صوت الماء الذي يجري في النهر القريب من البستان والذي كان يسقي أشجاره ، وبغفلة قال : لا أظن أن يفنى هذا البستان ، وبلسان الآية وتصوير القرآن الكريم : ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا .